الإمام الحسن العسكري عليه‌السلام في منزله بسر من رأى سنة خمس وخمسين ومائتين يملي عليّ الصَّلاة على النبي وأوصيائه عليه وعليهم السلام وأحضرت معي قرطاساً كَبِيراً ، فأملى عليّ لفظا من غير كتاب وقال : أكتب الصَّلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله

اللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ كَما حَمَلَ وَحْيَكَ وَبَلَّغَ رِسالاتِكَ
وصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ كَما أَحَلَّ حَلالَكَ وَحَرَّمَ حَرامَكَ وَعَلَّمَ كِتابَكَ
وَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ كَما أقامَ الصَّلاةَ وَآتى الزَّكاةَ وَدَعا إِلى دِينِكَ
وَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ كَما صَدَّقَ بِوَعْدِكَ وَأَشْفَقَ مِنْ وَعِيدِكَ
وَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ كَما غَفَرْتَ بِهِ الذُّنُوبَ وَسَتَرْتَ بِهِ العُيُوبَ وَفَرَّجْتَ بِهِ الكُرُوبَ
وَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ كَما دَفَعْتَ بِهِ الشَّقاءَ وَكَشَفْتَ بِهِ الغَمّاءِ وَأَجَبْتَ بِهِ الدُّعاءَ وَنَجَّيْتَ بِهِ مِنَ البَلاءِ
وَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ كَما رَحِمْتَ بِهِ العِبادَ وَأَحْييْتَ بِهِ البِلادَ وَقَصَمْتَ بِهِ الجَبابِرَةَ وَأَهْلَكْتَ بِهِ الفَراعِنَةَ
وَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ كَما أضْعَفْتَ بِهِ الاَمْوالَ وَأَحْرَزْتَ بِهِ مِنَ الاَهْوالِ وَكَسَرْتَ بِهِ الاَصْنامَ وَرَحِمْتَ بِهِ الأنامَ
وَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ كَما بَعَثْتَهُ بِخَيْرِ الاَدْيانِ وَأَعْزَزْتَ بِهِ الإيْمانَ وَتَبَّرْتَ بِهِ الأوْثانَ وَعَظَّمْتَ بِهِ البَيْتَ الحَرامَ
وَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ الاَخْيارِ وَسَلِّم تَسْلِيماً 

مصباح المتهجّد : ٣٩٩ ـ ٤٠٠

 

زيارة رحمك الله يا أبا الحسن

عن أسيد بن صفوان ـ صاحب رسُول الله(صلى الله عليه وآله) ـ قال: لمّا كان اليومُ الّذي قُبض فيه أميرُ المُؤمنين(عليه السلام)، ارتجّ الموضعُ بالبُكاء، ودهش النّاسُ كيوم قُبض النّبيُّ(صلى الله عليه وآله)، وجاء رجُلٌ ـ باكياً وهُو مُسرعٌ مُسترجعٌ وهُو يقُولُ: اليوم انقطعت خلافةُ النُّبُوّة ـ حتّى وقف على باب البيت الّذي فيه أميرُ المُؤمنين(عليه السلام)، فقال:

رَحِمَكَ اللّهُ يَا أَبَا الحَسَنِ، كُنتَ أَوَّلَ القَومِ إِسلَاماً، وَأَخلَصَهُم إِيمَاناً، وَأَشَدَّهُم يَقِيناً، وَأَخوَفَهُم لِلّهِ، وَأَعظَمَهُم عَنَاءً ، وَأَحوَطَهُم عَلى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وَآله، وَآمَنَهُم عَلى أَصحَابِهِ، وَأَفضَلَهُم مَنَاقِبَ ، وَأَكرَمَهُم سَوَابِقَ ، وَأَرفَعَهُم دَرَجَةً، وَأَقرَبَهُم مِن رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وَآله، وَأَشبَهَهُم بِهِ هَدياً وَخَلقاً وَسَمتاً وَفِعلًا، وَأَشرَفَهُم مَنزِلَةً، وَأَكرَمَهُم عَلَيهِ.

فَجَزَاكَ اللّهُ عَنِ الإِسلَامِ وَعَن رَسُولِهِ وَعَنِ المُسلِمِينَ خَيراً.

قَوِيتَ حِينَ ضَعُفَ أَصحَابُهُ، وَبَرَزتَ حِينَ استَكَانُوا، وَنَهَضتَ حِينَ وَهَنُوا، وَلَزِمتَ مِنهَاجَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وَآله إِذ هَمَّ أَصحَابُهُ، كُنتَ خَلِيفَتَهُ حَقّاً، لَم تُنَازَع وَلَم تَضرَع بِرَغمِ المُنَافِقِينَ وَغَيظِ الكَافِرِينَ وَكُرهِ الحَاسِدِينَ وَصِغَرِ الفَاسِقِينَ، فَقُمتَ بِالأَمرِ حِينَ فَشِلُوا، وَنَطَقتَ حِينَ تَتَعتَعُوا، وَمَضَيتَ بِنُورِ اللّهِ إِذ وَقَفُوا، فَاتَّبَعُوكَ فَهُدُوا، وكُنتَ أَخفَضَهُم صَوتاً، وَأَعلَاهُم قُنُوتاً ، وَأَقَلَّهُم كَلَاماً، وَأَصوَبَهُم نُطقاً ، وَأَكبَرَهُم رَأياً، وَأَشجَعَهُم قَلباً، وَأَشَدَّهُم يَقِيناً ، وَأَحسَنَهُم عَمَلًا، وَأَعرَفَهُم بِالأُمُورِ.

كُنتَ واللّهِ يَعسُوباً لِلديـن أَوَّلًا وَآخِراً، الأَوَّلَ حِيـنَ تَفَرَّقَ النَّاسُ، والآخِرَ حِينَ فَشِلُوا.

كُنتَ لِلمُؤمِنِينَ أَباً رَحِيماً إِذ صَارُوا عَلَيكَ عِيَالًا، فَحَمَلتَ أَثقَالَ مَا عَنهُ ضَعُفُوا، وَحَفِظتَ مَا أَضَاعُوا، وَرَعَيتَ مَا أَهمَلُوا، وَشَمَّرتَ إِذَا اجتَمَعُوا ، وَعَلَوتَ إِذ هَلِعُوا، وَصَبَرتَ إِذ أَسرَعُوا ، وأَدرَكتَ أَوتَارَ ‌مَا طَلَبُوا، وَنَالُوا بِكَ مَا لَم يَحتَسِبُوا.

كُنتَ عَلَى الكَافِرِينَ عَذَاباً صَبّاً وَنَهباً، وَلِلمُؤمِنِينَ عَمَداً وَحِصناً ، فَطِرتَ وَاللّهِ بِنَعمَائِهَا، وَفُزتَ بِحِبَائِهَا، وَأَحرَزتَ سَوَابِغَهَا، وَذَهَبتَ بِفَضَائِلِهَا، لَم تُفلَل حُجَّتُكَ، ولَم يَزِغ قَلبُكَ، وَلمَ تَضعُف بَصِيرَتُكَ، وَلَم تَجبُن نَفسُكَ وَلَم تَخِرَّ .

كُنتَ كَالجَبَلِ لَاتُحَرِّكُهُ العَوَاصِفُ، وكُنتَ كَمَا قَالَ عليه السلام آمَنَ النَّاسِ فِي صُحبَتِكَ وَذَاتِ يَدِكَ، وَكُنتَ كَمَا قَالَ ضَعِيفاً فِي بَدَنِكَ، قَوِيّاً فِي أَمرِ اللّهِ، مُتَوَاضِعاً فِي نَفسِكَ، عَظِيماً عِندَ اللّهِ، كَبِيراً فِي الأَرضِ، جَلِيلًا عِندَ المُؤمِنِينَ، لَم يَكُن لِأَحَدٍ فِيكَ مَهمَزٌ، وَلَا لِقَائِلٍ فِيكَ مَغمَزٌ، وَلَا لِأَحَدٍ فِيكَ مَطمَعٌ، وَلَا لِأَحَدٍ عِندَكَ هَوَادَةٌ.

الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ عِندَكَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ حَتّى تَأخُذَ لَهُ بِحَقِّهِ، وَالقَوِيُّ العَزِيزُ عِندَكَ ضَعِيفٌ ذَلِيلٌ حَتّى تَأخُذَ مِنهُ الحَقَّ، وَالقَرِيبُ وَالبَعِيدُ عِندَكَ فِي ذلِكَ سَوَاءٌ، شَأنُكَ الحَقُّ وَالصِّدقُ وَالرِّفقُ، وَقَولُكَ حُكمٌ وَحَتمٌ، وَأَمرُكَ حِلمٌ وَحَزمٌ ، وَرَأيُكَ عِلمٌ وَعَزمٌ فِيمَا فَعَلتَ، وَقَد نَهَجَ السَّبِيلُ، وَسَهُلَ العَسِيرُ، وَأُطفِئَتِ النِّيرَانُ، وَاعتَدَلَ بِكَ الدِّينُ، وَقَوِيَ بِكَ الإِسلَامُ ، فَظَهَرَ أَمرُ اللّهِ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ، وَثَبَتَ بِكَ الإِسلَامُ وَالمُؤمِنُونَ، وَسَبَقتَ سَبقاً بَعِيداً، وَأَتعَبتَ مَن بَعدَكَ تَعَباً شَدِيداً، فَجَلَلتَ عَنِ البُكَاءِ، وَعَظُمَت رَزِيَّتُكَ فِي السَّمَاءِ، وَهَدَّت مُصِيبَتُكَ الأَنَامَ ؛ فَإِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ، رَضِينَا عَنِ اللّهِ قَضَاهُ، وَسَلَّمنَا لِلّهِ أَمرَهُ، فَوَ اللّهِ لَن يُصَابَ المُسلِمُونَ بِمِثلِكَ أَبَداً.

كُنتَ لِلمُؤمِنِينَ كَهفاً، وَحِصناً، وَقُنَّةً رَاسِياً، وَعَلَى الكَافِرِيـنَ غِلظَةً وَغَيظاً، فَأَلحَقَكَ اللّهُ بِنَبِيِّهِ، وَلَا أَحرَمَنَا أَجرَكَ، وَلَا أَضَلَّنَا بَعدَكَ.

وَ سَكَتَ القَومُ حَتّى انقَضى كَلَامُهُ، وَبَكى، وَبَكى أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله)، ثُمَّ طَلَبُوهُ، فَلَم يُصَادِفُوهُ.